سؤال وجواب

أهداف التنمية المستدامة
إعداد: معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي

الهدف التاسع: إقامة بنى تحتية قادرة على الصمود، وتحفيز التصنيع المستدام الشامل للجميع، وتشجيع الابتكار

 

  1. ما هو الهدف 9 من أهداف التنمية المستدامة؟
    يرمي الهدف التاسع إلى بناء بنية تحتية قوية ومستدامة، وتعزيز التصنيع الشامل والمستدام، وتشجيع الابتكار بحلول العام 2030. فالقطاع الصناعي المُنتج والقدرة على الابتكار يُشكّلان ركائز أساسية للنمو الاقتصادي المستدام وخلق فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة. ويركّز الهدف على تطوير شبكات نقل وطاقة واتصالات موثوقة ومتاحة للجميع بكلفةٍ ميسورة، بما يعزّز الاندماج الاقتصادي ويقلّص الفوارق التنموية. كما يدعو إلى رفع مساهمة الصناعة ذات القيمة المضافة في الناتج المحلي الإجمالي والتوظيف، مع دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع البحث العلمي ونقل التكنولوجيا لتعزيز القدرة التنافسية وتشجيع الابتكار في جميع القطاعات.
    ويُظهر تقرير الأمم المتحدة حول أهداف التنمية المستدامة للعام 2025 أنَّ التقدّم المُحرز ما زال دون الطموحات المنشودة. فعلى الرغم من تحسّن بعض مؤشرات التصنيع عالميًا، ما زالت مساهمة الصناعة التحويلية في عدد من الدول النامية محدودة، فيما تستمر الفجوات في الوصول إلى البنية التحتية الأساسية. كما أنّ نسبة ملحوظة من سكان العالم تفتقر إلى اتصال موثوق بالإنترنت، في حين تتركّز أنشطة البحث والتطوير في عدد محدود من الدول، ما يقيّد فرص الابتكار في الاقتصادات الهشّة. ويؤكد التقرير أنّ تسريع التقدّم يتطلب تعزيز الاستثمارات المستدامة، واعتماد سياسات صناعية واضحة، وتوسيع الشراكات لنقل التكنولوجيا وبناء القدرات، مع مواءمة التصنيع مع الاعتبارات البيئية لضمان نمو متوازن وقادر على الصمود.
  2. ما هي أبرز التحديات التي تواجه تحقيق هذا الهدف على مستوى العالم؟
    يواجه تحقيق الهدف التاسع تحدّيات بنيوية مترابطة، في مقدّمتها ضعف الاستثمار في البنية التحتية المستدامة، لا سيّما في الدول النامية، إذ تعيق الفجوات التمويلية تطوير شبكات النقل والطاقة والاتصالات بما يدعم نموًا صناعيًا متوازنًا وشاملًا. ويزيد تباطؤ التحوّل نحو صناعات ذات قيمة مضافة أعلى، إلى جانب محدودية التنويع الاقتصادي، من هشاشة العديد من الاقتصادات أمام الصدمات العالمية. كما تتعمّق الفجوة التكنولوجية نتيجة تدنّي الإنفاق على البحث والتطوير وضعف القدرات الابتكارية، ما يحدّ من فرص التصنيع المتقدّم، ويؤثّر سلبًا على الإنتاجية والتنافسية.
    وتزيد الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية من المخاطر على الاستثمار، مثل مشاكل سلاسل الإمداد، أي تأخّر وصول المواد والمكوّنات الأساسية للمنتجات، وتقلّب أسعار الطاقة، والنزاعات التجارية، ما يجعل التخطيط والاستثمار الصناعي طويل الأجل أكثر صعوبةً. وفي ظلّ التحوّل المتسارع نحو الاقتصادَين الأخضر والرقمي، تبرز الحاجة إلى تحديث البنى التحتية والأنظمة الصناعية لتصبح أكثر كفاءة واستدامة وأقل انبعاثًا للكربون، وهو مسار يتطلّب تمويلًا كافيًا، ونقلًا فعّالًا للتكنولوجيا، وتنمية مهارات متخصّصة.
    لمواجهة هذه التحدّيات، تقتضي الضرورة اعتماد مقاربة متكاملة ترتكز على النقاط الآتية:
    أولًا: توسيع الاستثمار في بنى تحتية مرِنة ومستدامة وقادرة على الصمود أمام الأزمات.
    ثانيًا: دعم التصنيع المستدام، وتعزيز التنويع الاقتصادي، وتقوية مراحل الإنتاج المختلفة داخل الاقتصاد المحلي وربطها إقليميًا.
    ثالثًا: زيادة الإنفاق على البحث العلمي والابتكار، وتعزيز نقل التكنولوجيا وبناء الشراكات.
    رابعًا: تضييق الفجوة الرقمية من خلال توسيع الوصول إلى الإنترنت والتقنيات الحديثة، بما يسهم في بناء اقتصاد صناعي حديث، قائم على المعرفة، وقادر على تحقيق تنمية شاملة ومستدامة بحلول العام 2030.
  3. لماذا يُعدّ بناء بُنى تحتية قادرة على الصمود عنصرًا أساسيًا في تحقيق التنمية المستدامة؟
    تشكّل البنية التحتية العمود الفقري لأي اقتصاد، لما تؤديه من دور حاسم في ترسيخ الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. فشبكات النقل والطاقة والمياه والاتصالات تشكّل الأساس الذي تقوم عليه الأنشطة الإنتاجية والخدمية، وأي خلل فيها ينعكس مباشرةً على الإنتاجية وجودة الحياة وجاذبية الاستثمار. وتزداد أهمية البنى التحتية المرِنة في ظلّ تصاعد المخاطر المرتبطة بتغيّر المناخ والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية والصراعات، إذ تمكّن الدول من الحدّ من الخسائر وضمان استمرارية الخدمات وتسريع التعافي. في المقابل، يؤدي ضعفها إلى تعطّل سلاسل الإمداد، وارتفاع كلفة الإصلاح، وتفاقم الهشاشة الاجتماعية. وتؤكّد التجارب الدولية أنّ الاستثمار المُسبق في بنى تحتية مستدامة وذكية يعزّز الكفاءة ويخفّض الأضرار طويلة الأمد. فاعتماد معايير بناءٍ مقاوِمة للكوارث، وتطوير نقل عام منخفض الانبعاثات، وتحديث شبكات الطاقة بالاعتماد على مصادر متجددة، كلّها إجراءات ترفع الإنتاجية وتعزّز أمن الطاقة. أما غياب هذا الاستثمار فيعمّق الفجوات التنموية ويحدّ من النمو الشامل. لذلك، فإنّ بناء بُنى تحتية قادرة على الصمود يُشكّل ضرورة استراتيجية لضمان استدامة التنمية وتعزيز قدرة الدول على مواجهة الأزمات المستقبلية.
  4. كيف يُسهم الابتكار في تعزيز النمو الاقتصادي؟
    الابتكار هو محرّك الإنتاجية والتنافسية. فهو يمكّن الشركات من تطوير منتجات وخدمات أكثر كفاءة وجودة، ويفتح آفاقًا لقطاعات جديدة كالاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر، ما يوسّع قاعدة الوظائف ويحفّز الاستثمار ويزيد الدخل الوطني.
    على صعيد المؤسسات، يشجّع الابتكار الشركات الصغيرة والمتوسطة على تحسين عمليّاتها وتقديم حلول مبتكرة تلبّي احتياجات المجتمع، ما يعزز مرونتها وقدرتها على التكيّف مع التحولات العالمية. كما يُسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إذ تبحث الشركات كما المستثمرون عن بيئات عمل قائمة على المعرفة والتقنية الحديثة. أما على المستوى الاجتماعي، فيعمل الابتكار على تحسين جودة الحياة من خلال تطوير منتجات وخدمات تلبّي الاحتياجات الأساسية مثل الصحة والتعليم والنقل والطاقة النظيفة. كما يدعم الشمول الاقتصادي عبر تمكين الشباب والنساء من الانخراط في مجالات جديدة، ما يحدّ من الفقر ويعزز المساواة.
    في المجمل، يشكّل الابتكار محركًا رئيسيا للنمو الاقتصادي المستدام، لأنّه لا يقتصر على زيادة الإنتاجية فقط، بل يخلق قيمة جديدة، ويحفّز التنمية الشاملة، ويقوّي قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وبذلك يصبح أداةً استراتيجية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بحلول العام 2030.
  5. كيف تؤثر الفجوات في الوصول إلى الإنترنت والتكنولوجيا على فرص الابتكار؟
    يشكّل الوصول إلى الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية حجر الأساس لتعزيز الابتكار ودعم النمو الاقتصادي في عصرنا الحالي. إذ لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت بيئة متكاملة لتطوير الأفكار وتحويلها إلى منتجات وخدمات ذات قيمة. وعندما تكون هناك فجوات في الوصول إلى الإنترنت أو الأجهزة الرقمية، تقلّ فرص الأفراد والمؤسسات في المشاركة الفعّالة في الاقتصاد الرقمي والاستفادة من أدوات الابتكار الحديثة. تؤدي هذه الفجوة إلى تباطؤ الابتكار، خصوصًا في الدول النامية والمناطق الريفية، حيث يحدّ ضعف الشبكات وارتفاع كلفة الاتصال من قدرة الشركات الناشئة وروّاد الأعمال على التوسع والوصول إلى الأسواق. كما أنّ نقص المهارات الرقمية يقلّل من إنتاجية القوى العاملة ويحدّ من اعتماد المؤسسات لتقنيات حديثة مثل التجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، ما يؤثر في قدرة الاقتصاد على المنافسة والنمو. تُظهر التجارب الدولية أهمية الاستثمار في التحول الرقمي، ففي دول مثل إستونيا وكوريا الجنوبية، ساعد الإنترنت عالي السرعة وبرامج محو الأمية الرقمية على دعم الشركات الناشئة وتعزيز الاقتصاد المعرفي. كما أسهم توسيع الوصول إلى التكنولوجيا في بعض الدول الأفريقية والآسيوية في ابتكار حلول جديدة في التمويل الرقمي والخدمات الصحية والتعليمية، ما يوضح الدور الحيوي للتكنولوجيا في خلق فرص اقتصادية جديدة ومواجهة تحديات التنمية. والحالة اللبنانية تُبرز أثر القيود الرقمية على الابتكار. فعلى الرغم من وجود طاقات بشرية ومبادرات ريادية واعدة، أدّت أزمة الكهرباء وضعف خدمات الإنترنت وارتفاع تكلفتها إلى صعوبة استمرار المشاريع التكنولوجية ونموّها، وتقليص اندماج المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الأسواق المحلية والإقليمية. لذلك، يُعدّ تقليص الفجوة الرقمية استثمارًا أساسيًا في الابتكار والنمو الاقتصادي. ويحتاج ذلك إلى تطوير البنية التحتية للاتصالات، وتنمية المهارات الرقمية، وخلق بيئة تنظيمية وتشريعية داعمة، لضمان اقتصاد حديث قائم على المعرفة وقادر على المنافسة وتحقيق التنمية المستدامة.
  6. ماذا يُقصد بالتصنيع الشامل والمستدام؟
    هو نموذجٌ صناعي يهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي قائم على تطوير القطاع الصناعي، مع ضمان توزيع عوائده بصورةٍ عادلة والحدّ من آثاره البيئية. فهو يجمع بين توسيع القاعدة الإنتاجية وتعزيز فرص العمل، وبين الاستخدام الرشيد للموارد وحماية البيئة. ويرتكز هذا النموذج على إشراك مختلف فئات المجتمع في العملية الصناعية، ولا سيّما الشباب والنساء والمناطق الأقل حظًا، من خلال دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تتميّز بقدرتها على خلق وظائف وتنشيط الاقتصاد المحلي. وهو يؤدي، عبر تقوية سلاسل القيمة المحلية، أي ربط مراحل الإنتاج من المواد الأولية، إلى التصنيع والتسويق داخل الدولة، إلى زيادة القيمة المضافة الوطنية والحد من الاعتماد على الاستيراد. وتؤكّد التجارب الدولية فاعلية هذا النهج. ففي ألمانيا، أسهم نظام التعليم المزدوج في تأهيل العمالة للصناعات المتقدمة والخضراء، ما دعم التوظيف ورفع كفاءة القطاع الصناعي. أما في الصين، فقد ترافق التوسّع الصناعي مع استثمارات واسعة في الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية، وتحديث الصناعات التقليدية لتصبح أكثر كفاءة وأقل تلويثًا. وعلى المستوى الإقليمي، عزّز المغرب قطاع الطاقة الشمسية والصناعات المرتبطة به، إلى جانب تطوير صناعات السيارات والطيران، ما أسهم في جذب الاستثمارات وتنويع القاعدة الإنتاجية. وبذلك، يشكّل هذا النموذج ركيزة أساسية لتحقيق تنمية متوازنة تجمع بين الازدهار الاقتصادي والاستدامة البيئية والعدالة.
  7. ما دور التعاون الدولي في تحقيق الهدف التاسع؟
    لا يمكن تحقيق الهدف التاسع من أهداف التنمية المستدامة من دون تعاون دولي فعّال، إذ إنّ تطوير البنية التحتية المستدامة وتعزيز التصنيع الشامل ودعم الابتكار يتطلّب موارد مالية وخبرات تقنية تتجاوز قدرات العديد من الدول، ولا سيّما النامية منها. ومن خلال الشراكات الدولية، تستطيع الدول تسريع التقدم الصناعي والتكنولوجي عبر تبادل المعرفة ونقل التكنولوجيا وتوفير التمويل اللازم للمشاريع الكبرى، فيما تؤدي مؤسسات التمويل الدولية والجهات المانحة دورًا محوريًا في دعم مشاريع النقل والطاقة والاتصالات، باعتبارها الأساس لأي نهضة صناعية. ويُعدّ دعم البنك الدولي لمشاريع البنية التحتية في دول أفريقيّة وآسيويّة مثالًا بارزًا، إذ أسهم تمويل شبكات الطرق والطاقة المتجددة في تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات. كما أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مبادرات للتحول الرقمي وتعزيز الابتكار في عدد من الدول النامية، ما دعم تطوير الصناعات المحلية ورفع تنافسيتها. وتبرز أهمية الشراكات متعددة الأطراف التي تجمع الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني في تنفيذ مشاريع صناعية وتكنولوجية مستدامة، إذ تضمن تنسيق الجهود وتقاسم المخاطر وتحقيق نتائج طويلة الأمد. كما يسهم نقل التكنولوجيا وبناء القدرات المحلية في تمكين الدول من تطوير صناعاتها الوطنية ودمجها في سلاسل القيمة العالمية أي شبكات الإنتاج والتوزيع العابرة للحدود التي تتوزّع فيها مراحل تصنيع المنتج الواحد بين عدة دول، بدءًا من البحث والتصميم، مرورًا بتأمين المواد الأولية والتصنيع والتجميع، وصولًا إلى التسويق والتصدير والخدمات اللوجستية.
    أما على المستوى الوطني، فيُظهر لبنان من خلال برامج دعم القطاعات الإنتاجية والتعاون مع الجهات الدولية، كيف يمكن للشراكات الخارجية أن تُسهم في تطوير الصناعات المحلية، وتحديث البنية التحتية الإنتاجية، وخلق فرص عمل جديدة، بما يُعزّز مسار التنمية الصناعية المستدامة. وبذلك يشكّل التعاون الدولي ركيزة أساسية لبناء اقتصاد صناعي مرن وتنافسي.
  8. كيف يمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لدعم التنمية الصناعية؟
    يُمكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لدعم التنمية الصناعية باعتباره أداة رئيسة لتعزيز الإنتاجية وتحسين جودة العمليات وتوسيع الابتكار. فهو يتيح تحليل البيانات الضخمة بسرعةٍ ودقّة، ما يمكّن الشركات والمصانع من تحسين خطط الإنتاج، تقليل الهدر، وتطوير منتجات وخدمات أكثر كفاءة وقيمة. كما يُسهم في التنبؤ بالطلب وإدارة المخزون بذكاء، وتسهيل صيانة المعدات وتشغيل خطوط الإنتاج بكفاءة أعلى، ما يقلّل التكاليف ويعزز القدرة التنافسية. كما يُمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير منتجات وتقنيات صديقة للبيئة، بما يتماشى مع متطلّبات الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة. بالإضافة إلى ذلك، يُمكّن هذا الذكاء المؤسسات من تدريب القوى العاملة على مهارات جديدة ومتقدمة في مجالات التحكّم الرقمي وتحليل البيانات، ما يخلق وظائف ذات قيمة مضافة ويقوّي الكفاءات البشرية في الصناعات الحديثة.
    في المجمل، يُشكّل الذكاء الاصطناعي أداة استراتيجية لتعزيز التصنيع الشامل والمستدام، عبر دمج التكنولوجيا في جميع مراحل الإنتاج، تحسين الإنتاجية، تحفيز الابتكار، وخلق فرص عمل لائقة، بما يدعم نموًا اقتصاديًا مستدامًا ومتوافقًا مع أهداف التنمية طويلة المدى.
  9. ما هي التحدّيات التي تواجه تمويل تحقيق الهدف التاسع في الدول العربية؟
    تواجه الدول العربية تحدّيات مالية وهيكلية عميقة في تأمين التمويل اللازم لتحقيق الهدف التاسع المتعلق بالصناعة والابتكار والبنى التحتية. وتتمثّل أبرز هذه التحديات في محدودية الموارد المالية المحلية في ظلّ الضغوط المتزايدة على الموازنات العامة، وارتفاع مستويات الدين العام، وتراجع الإيرادات الحكومية، ما يقيّد قدرة الدول على تخصيص التمويل الكافي لتطوير القطاعات الصناعية والرقمية. كما يبرز ضعف الاستثمارات طويلة الأجل، سواء من القطاع العام أو الخاص، الأمر الذي يفاقم الفجوة التمويلية ويحدّ من توسّع الصناعات الحديثة واعتماد التقنيات المبتكرة.
    وبحسب التقرير العربي للتنمية المستدامة للعام 2024 الصادر عن الإسكوا، تحتاج المنطقة إلى إنفاق لا يقلّ عن 8.2% من الناتج المحلي الإجمالي لتلبية احتياجات البنية التحتية بحلول العام 2030، في حين أنّ التمويل المتاح حاليًا لا يغطي سوى جزءًا محدودًا من هذه المتطلبات، ما يعيق تنفيذ مشاريع صناعية واسعة النطاق وقادرة على الاستدامة. كما يلفت التقرير إلى محدودية استخدام أدوات التمويل المبتكرة، مثل السندات المستدامة، رغم أنّ دولًا مثل قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تستحوذ على نحو 91% من إصدارات السندات المستدامة في المنطقة منذ العام 2015، إلّا أنّ هذه الإصدارات ما زالت تمثّل حصة ضئيلة من السوق العالمية. وتبقى مصر الدولة العربية الوحيدة التي أصدرت سندات خضراء سيادية مخصّصة لتمويل مشاريع في مجالات النقل والمياه والصرف الصحي.
    ورغم هذه التحديات، تبرز بعض التجارب الإيجابية على مستوى تعبئة الموارد. فقد خصّصت مجموعة التنسيق العربية نحو 19.6 مليار دولار في العام 2024 لتمويل مشاريع تطوير البنية التحتية الحيوية ومبادرات الاستدامة في أكثر من 90 دولة عربية وعالمية، بما يشمل دعم التجارة والأمن الغذائي والطاقة النظيفة، ما يعزّز القدرة على تمويل أهداف التنمية الصناعية. وتؤكد هذه المؤشرات أنّ توسيع نطاق أدوات التمويل المبتكر، وتطوير الأطر التشريعية والمؤسسية الجاذبة للاستثمار، إلى جانب تعزيز الشراكات الدولية، هي عوامل تُمثّل ركائز أساسية لمعالجة الفجوة التمويلية وتحفيز تنفيذ مشاريع البنى التحتية والصناعات المستدامة، بما يضع الدول العربية على مسار أكثر واقعية نحو تحقيق الهدف التاسع ضمن أجندة التنمية المستدامة 2030.
  10. وصولًا إلى 2030: ما هي السياسات المقترحة لتسريع التقدّم في تحقيق الهدف التاسع؟
    وفق التقرير العربي للتنمية المستدامة للعام 2024 الصادر عن الإسكوا، يتطلّب تسريع التقدّم نحو تحقيق الهدف التاسع اعتماد سياسات متكاملة تدفع نحو التصنيع المستدام، وتعزّز منظومات الابتكار، وتُرسّخ بنى تحتية مرِنة ضمن إطار حوكمة فعّال وبيئة تنظيمية جاذبة. وتشمل هذه السياسات:
    أولًا: تكثيف الاستثمار في البنى التحتية المستدامة، ولا سيما في النقل والطاقة النظيفة والبنية الرقمية، بما يعزّز الترابط الإقليمي ويدعم التحول الهيكلي للاقتصادات العربية.
    ثانيًا: تعزيز التنويع الصناعي والارتقاء بسلاسل القيمة نحو أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى، مع تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من الاندماج في الاقتصاد الصناعي الحديث.
    ثالثًا: ترسيخ منظومات البحث العلمي من خلال زيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وبناء شراكات فاعلة بين القطاعين العام والخاص والجامعات لتوطين التكنولوجيا ونقل المعرفة.
    كما يؤكد التقرير أهمية تنويع مصادر التمويل عبر توسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص وتفعيل السندات الخضراء والمستدامة، إلى جانب تحسين كفاءة إدارة الموارد العامة. ويشدد كذلك على ضرورة تحديث الأطر التشريعية والمؤسسية وتعزيز الشفافية وتوفير البيانات، بما يمتّن ثقة المستثمرين ويدعم تدفق رؤوس الأموال إلى القطاعات الصناعية. ويخلص التقرير إلى أنّ بناء قاعدة صناعية مرنة ومبتكرة ليس خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز القدرة التنافسية وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، بما يعزّز الاستقرار والصمود الوطني بحلول العام 2030.

 

لمعرفة المزيد حول أهداف التنمية المستدامة

  • موقع أهداف التنمية المستدامة في لبنان: http://sdglebanon.pcm.gov.lb/
  • الأمم المتحدة: تقرير أهداف التنمية المستدامة لعام 2025
  • موقع الأمم المتحدة في لبنان: http://www.lebanon.un.org
  • موقع الإسكوا: https://www.unescwa.org/ar
  • موقع الإسكوا – المنتدى العربي للتنمية المستدامة 2024: https://www.unescwa.org/ar/events-2024
  • موقع الإسكوا : التقدم المحرز نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة في المنطقة العربية في العام 2025
  • موقع معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي – المكتبة المالية: https://www.institutdesfinances.gov.lb/library
  • زيارة المكتبة المالية – معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، 512 كورنيش النهر، مبنى نقابة صيادلة لبنان